محمد متولي الشعراوي
80
تفسير الشعراوي
نحن بالخير في الدنيا والآخرة . . ان أفعال اللّه لا تعلل ، والمأمور بالعبادة هو الذي سينتفع بها . ولكن هل العبادة هي الجلوس في المساجد والتسبيح أو أنها منهج يشمل الحياة كلها . . في بيتك وفي عملك وفي السعي في الأرض ؟ . . ولو أراد اللّه سبحانه وتعالى من عباده الصلاة والتسبيح فقط لما خلقهم مختارين بل خلقهم مقهورين لعبادته ككل ما خلق ما عدا الانس والجن . . واللّه تبارك وتعالى له صفة القهر . . من هنا فإنه يستطيع أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته . . مصداقا لقوله جل جلاله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ( 4 ) ( سورة الشعراء ) فلو أراد اللّه ان يخضعنا لمنهجه قهرا . . لا يستطيع أحد أن يشذ عن طاعته . . وقد أعطانا اللّه الدليل على ذلك بأن في أجسادنا وفي أحداث الدنيا ما نحن مقهورون عليه . . فالجسد مقهور لله في أشياء كثيرة . القلب ينبض ويتوقف بأمر اللّه دون إرادة منا . . والمعدة تهضم الطعام ونحن لا ندري عنها شيئا . . والدورة الدموية في أجسادنا لا إرادة لنا فيها . . وأشياء كثيرة في الجسد البشرى كلها مقهورة لله سبحانه وتعالى . . وليس لإرادتنا دخل في عملها . . وما يقع علىّ في الحياة الدنيا من أحداث أنا مقهور فيه . . لا أستطيع أن أمنعه من الحدوث . . فلا أستطيع أن أمنع سيارة أن تصدمنى . . ولا طائرة أن تحترق بي . . ولا كل ما يقع على من أقدار اللّه في الدنيا . . اذن فمنطقة الاختيار في حياتي محددة . . لا أستطيع أن أتحكم في يوم مولدي . . ولا فيمن هو أبى ومن هي أمي . . ولا في شكلى هل أنا طويل أو قصير ؟ جميل أو قبيح أو غير ذلك . اذن فمنطقة الاختيار في الحياة هي المنهج أن أفعل أو لا أفعل . اللّه سبحانه وتعالى له من كل خلقه عبادة القهر . . ولكنه يريد من الانس والجن عبادة المحبوبية . . ولذلك خلقنا ولنا اختيار في أن نأتيه أو لا نأتيه . . في أن نطيعه أو نعصيه في أن نؤمن به أو لا نؤمن .